السيد عبد القادر ملا حويش آل غازي العاني
301
تفسير القرآن العظيم ( بيان المعاني )
كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ » لرأيت أمرا فظيعا هالك مرآه ، لأنهم إذ ذاك « يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ » عند الاقدام « وَأَدْبارَهُمْ » حال الانهزام والأفظع من هذين الأمرين أنهم يقولون لهم بعد الموت موتوا « وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ ( 50 ) » في جهنم فهي مثواكم في الآخرة « ذلِكَ » الذي حل بكم أيها الكفار في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب هو « بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ » من الشرك والمعاصي وظلمكم أنفسكم بذلك . ووصفت اليد لأنها آلة العمل المؤثرة ، وإلا فالكفر محله القلب وعلامته اللسان « وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ ( 51 ) » إذ لا يعذب أحدا بلا ذنب ، على أنه لو فعل فلا يعد ظلما لاستحالة نسبة الظلم إليه ، لأنه المالك المطلق وللمالك التصرف بملكه كيف يشاء ، ألا ترى أنك إذا هدمت دارك أو أخربت ما هو ملكك لا يعترضك فيه أحد ؟ وإن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم « كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 52 ) » بحيث لا تطيقه الجبال الحديدية . وفي هذه الآية تهديد ووعيد لهؤلاء الكفار والمنافقين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، وإعلام بأنه تعالى سيعذبهم في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالنار ، كما عذب أولئك في الدنيا ويعذبهم في الآخرة . والدأب إدامة العمل . وسميت العبادة دأبا لمداومة الإنسان عليها « ذلِكَ » العذاب والانتقام « بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ » كي يكونوا هم السبب في ذلك ويندموا من حيث لا ينفعهم الندم ، لأن ما يحدثه للخلق من بعض ما هو مدون في أزله قبل خلقهم ، إذ لا يقع شيء إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ ثابت في علم اللّه « وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ » لما يقع من عبده سرا أو جهرا « عَلِيمٌ ( 53 ) » به قبل وقوعه . وليعلم كل إنسان أن يذكر مع كل نعمة زوالها كي يحافظ عليها بالشكر ، ويذكر مع كل بلية كشفها ليحافظ على الرجاء من اللّه فإن ذلك أبقى للنعمة ، وأسلم من البطر ، وأقرب من الفرج ، لأن الدنيا دار تجارة ، فالويل لمن تزود منها الخسارة ، ويكفيك أنها مزرعة الآخرة ، وقيل في المعنى في هذا : إذا أنت لم تبذر وأبصرت حاصدا * ندمت على التفريط في زمن البذر